الشيخ عبد الغني النابلسي

48

كتاب الوجود

أن الأشياء التي يظهر عليها الليل والنهار « 1 » على ما هي عليه من أحوالها بلا مخالطة ولا مجانسة ، فيظهر الوجود الحق تعالى كما شاء ويستتر كما شاء ، والأشياء على ما هي عليه من عدمها الأصلي ، كما يظهر النهار بالنور ويستتر النور بالليل الذي يظهر بالظلمة ، وجميع ما في الدنيا على ما هو عليه في نفسه ، غير أنه أسرف بظهور النهار ، والإشراق للنهار لا للشيء ، واستتر بظلمة الليل ، والاستتار للظلمة لا للشيء ، فالليل آية الاستتار عن عقول الغافلين وعن حواسهم ، والنهار آية الظهور لعقول العارفين ولحواسهم . وكذلك الشمس والقمر ، فما هناك إلا الليل أو النهار أو الشمس أو القمر أو جميع الأشياء على ما هي عليه ، فالنهار والشمس والقمر كآلة الظهور ، والليل كآلة الاستتار ، والآيات هي الأمثال التي قال تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ( سورة العنكبوت : 43 ) ؛ أي : العارفون باللّه تعالى وبظهوره واستتاره ، وأخرج مسلم « 2 » في صحيحه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن أناسا قالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « هل تضارون من رؤية القمر ليلة البدر ؟ » ، قالوا : لا يا رسول اللّه ، قال : « هل تضارون من الشمس ليس دونها سحاب ؟ » ، قالوا : لا ، قال : « فإنكم ترونه كذلك » . ولنا في هذا الشأن من جملة أبيات : يا طلعة الشمس أو يا طلعة القمر * تختال في حلل الأشباح « 3 » والصور

--> ( 1 ) الآيات الكثيرة التي يظن بعض الناس أنها نزلت لإثبات الوجود ، فليست من ذلك في قليل ولا في كثير ، إنها تبين عظمة اللّه وجلاله وكبرياءه وهيمنته الكاملة على العالم . وقد أتت على هذا الوضع لتقود الإنسان إلى إسلام وجهه للّه إسلاما كاملا ، بحيث لا يصدر ولا يرد إلا باسمه سبحانه ، ولا يأتي ما يأتي أو يدع ما يدع إلا في سبيله تعالى . [ الشيخ عبد الحليم محمود في هامش لطائف المنن ( 54 ) ] . ( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه [ 299 - ( 182 ) ] ، كتاب الإيمان ، 81 - باب معرفة طريق الرؤية ، عن أبي هريرة . ( 3 ) الشبح : ما بدا لك شخصه غير جلى من بعد ، وشبح الشيء : ظله وخياله ، وجمعها : أشباح . [ المعجم الوجيز ( 334 ) ] .